المقريزي
547
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فحلّت قيوده وقيود جماعته ، وعظّم غاية التعظيم ، وساروا به من سلطانية في يوم الخميس خامس عشره حتى قدم على تيمور في يوم السبت سابع عشره فقام إليه يتلقّاه وعانقه وقبّل وجهه مرارا واعتذر إليه مما جرى منه عليه ، وسأله أن يحالله ، وأضافه ستة أيام ، ثم خلع عليه خلع الملوك العظماء ، ودفع إليه مالا جزيلا ، وقدّم له مائة فرس وعشرة بغال وستين ألف دينار كبكية وستة جمال وعدة خلع مزركشة ولواء يخفق على رأسه وتحفا كثيرة ، وكتب له ستة وخمسين منشورا كل منشور بولاية بلد ، أول ذلك الرّها إلى آخر ديار بكر وإلى حدود أذربيجان وأرمينية من غير أن ينازعه في ذلك أحد ، وأن يكون سائر الحكّام بتلك الأعمال تحت طاعته يحملون خراجها إليه ويمتثلون ما يرسم لهم به ، ولا يحمل هو ولا هم شيئا من ذلك إلى تيمور ، وشرط عليه أن لا يوالي صاحب مصر وأنه كلّما طلبه جاء إليه من غير توقّف . ثم عانقه وودّعه وأمر الأمراء بتشييعه ، فسار في ثالث عشري رمضان المذكور إلى سلطانية ، ومضى إلى تبريز ، فبالغ أميران شاه بن تيمور متوليها في إكرامه وأكثر من عطائه ، وشيّعه في أجمل حال ، فمرّ على وسطان وبدليس وأرزن حتى نزل صور ، فقدّم بشيرا إلى أهل ماردين بقدومه ، فبشّروا بذلك ودقّوا البشائر ، وخرج الناس إلى لقائه مع وليّ عهده الملك الصّالح ، فدخل مدينة ماردين يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ثمان وتسعين وقد غاب عنها سنتين ونحو سبعة أشهر . فبدأ بزيارة قبر أبيه ، وعزم على التّخلّي عن الملك والمسير إلى مكة شرّفها اللّه تعالى ، وأكبّ الناس على قدميه يقبّلونها ويتضرّعون إليه ، ويناشدونه اللّه في أن يمتّعهم بنفسه وبكوا بكاء كثيرا حتى أجابهم ، وجلس على تخت ملكه وسرير سلطنته إلى أن نزل عليه تيمور في سنة اثنتين وثماني مائة فعصى عليه فتركه ومضى إلى سيواس فأخذها وجميع بلاد الشّام ، وعاد من دمشق حتى نهب الرّها ، وكتب إلى الملك الظّاهر يستدعيه من ماردين ومن جملة كتابه : سلام عليكم والعهود بحالها * لقد بلغ الأشواق منّا كمالها